الأربعاء، 17 فبراير، 2010

سوق الخيارات

سوق الخيارات




توصلت في مقالي السابق إلى استنباط مفاده أنني - وبسبب تغيير طرأ على تركيبة دماغي - أصبحت مسؤولاً عن تسيير حياتي وتحديد مصيري ، بينما بقيت مخلوقات أخرى تعيش في عالم من القوالب والأنماط المتكررة لا تحيد عنها ولا تعي غيرها . وقد وهبني هذا التغيير صفة جديدة وهي القدرة على الإدراك والإحاطة بوجودي . كما أورثني رفضا تلقائيا للقوالب الجاهزة التي خلفتها ورائي ، مستبدلا إياها بملكة الإختيار . باختصار لقد أصبحت حراً . الحرية إذاً خاصية ولدت بها ولم أكتسبها ، ولا يمكن لأحد – أياً كان - أن يدعي بأنه تفضل علي بها . قد يحرمني منها كما يحرمني الطعام والشراب ، لكنه لن يستطيع أن ينتزعها من تكويني .


ماذا يعني أن أكون حراً ؟


للإجابة على هذا التساؤل ، أرتكز على افتراض مفاده أن ما حدث يعد تطوراً نوعياً في الخلق . أي أنني كائن أكثر تطوراً من باقي الكائنات الحية . وهناك من الأدلة على ذلك الكثير .. انتصاب جسدي .. حجم دماغي .. استخدامات أصابع يدي .. هذا من الناحية التشريحية . أما معنوياً فهناك ليس فقط حجم ما أنتجته من آداب وعلوم بل قدرتي على تأمل انتاجي وإعادة تقييمه . لا مفر إذاً من الإقرار بتميزي الخلقي .


لا يعنيني هنا التميز الجسدي الذي قد تفوقني في بعض أوجهه كثير من الحشرات والديدان ، والذي يفقد أهميته بالنسبة للإنسان بمجرد النظر إلى جسد عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكنج (Stephen Hawking) . ما يعنيني هو ذلك التميز الدماغي الذي وهبني حرية تنعدم فيما عداي من المخلوقات . حريتي إذاً هي سبب تميزي .. بدونها أتقهقر في سلم المخلوقات .. أفقد تميزي .


إذاً .. أن أكون حراً يعني بالضرورة أن أكون مبدعاً .. أو على الأقل أن يكون بمقدوري أن أبدع . والعكس صحيح .


وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه : لماذا تقرر مجموعات من البشر – وقد كُتب لها الخروج من دائرة الأنماط البدائية الرتيبة التي تعيشها باقي الكائنات – العودة طوعاً إلى طريقة العيش البدائية هذه ؟ لماذا تقرر طوعاً التخلي عن حريتها وتميزها ومصدر إبداعها ؟ لماذا تخترع الأديان ذات الطقوس النمطية الرتيبة ؟ لماذا تشرع القوانين والأنظمة التي تقولب الفعل الإنساني ؟ لماذا يلتزم الناسك البوذي بلبس رداء برتقالي اللون طوال حياته ثم يعيش عالة على جيرانه يأكل ما يلقون به في سلته ؟ لماذا يختار "السيخي" العيش طوال حياته في قرف ، من دون أن يقتلع شعرة من جسده ؟ لماذا تصر النساء في عُمان على ارتداء عباءات سوداء تمتص أشعة الشمس في صيف مسقط القاتل فتحول أيامهن جحيما بينما يقرر الرجل بأنانية بالغة وكأنه "شمتان" أن يلبس دشداشة بيضاء تعكس أشعة الشمس فتخفف من حدتها ؟ لماذا هذا التقهقر الذي يبدو للوهلة الأولى منافيا للفطرة ؟ المدهش في الأمر أن كثيرا من هذه الممارسات – إن لم يكن جميعها – تُعد عند من يعتنقها وسيلة للسمو والارتقاء . تضمن للبعض الخلود في النعيم ، وتوصل البعض الآخر إلى النيرفانا ، وتوحد أرواح آخرين مع ذرات الكون الفسيح . هل هو هروب من الحرية أم هو تجل مُفرط لممارسة حق الاختيار ؟ أليس من حقي أن أختار العودة الى ممارسة الحياة النمطية ؟


أشك في أن يكون الأمر فعلاً بهذه البساطة ؟


وللحديث بقية !!

الأربعاء، 10 فبراير، 2010

الاختيار ضرورة بيولوجية

الاختيار ضرورة بيولوجية


ما يميزني أنا كإنسان عن غيري من الأحياء هو قدرتي على الاختيار . ولهذا سببٌ تشريحي لا مجال لشرحه الآن . لكنني أكتفي بالقول بأن دماغي البشري اكتسب – خلقا أو تطوراً – طبقات جديدة من الخلايا مكنتني من الإنفلات من سجن الأنماط الحياتية التلقائية المتكررة التي جُبلت عليها الأحياء الأخرى من حيوانات و نباتات وطيور وحشرات وديدان وكائنات بدائية مجهرية .



أصبحت قائمة خياراتي - بفعل هذا التغيير البنيوي في دماغي الإنساني - غير محدودة - نظرياً على الأقل . ومع أن جسدي لا يزال يحتفظ بغرائزه البدائية اللازمة لحفظ النوع ، إلا أنني أتحكم – لدرجة كبيرة – في إدارتها : يلزمني النوم ، لكني أنام ساعة أشاء "وعلى الجنب اللي يريحني" .. أجوع ، لكني آكل حتى مع شبع .. ببدائية مقرفة أو بإتيكيت "مسز بوكيه" المفرط .. أمارس طقوس التوالد ، ولكن بعشوائية لذيذة حولت كوكب الأرض إلى مقلب كبير للقمامة . أعيش في قطيع ، لكنني أسميه مجتمع ، له طقوس وعادات أسميها تقاليد وقوانين وأديان . هذا أنا في أحد تجلياتي .. مخلوق أقف على قمة هرم التطور البيولوجي بفعل قدرتي المكتسبة على الإختيار .. من أجل البقاء لا أتكيف مع محيطي كما فعلت وتفعل باقي الأحياء ، لكني أكيف محيطي حسب رغباتي . قدرتي على الإختيار هذه أورثت عندي ملكة الإبتكار فأنتجتُ تنوعاً ماديا رائعا أستحق لأجله لقب "ملك الكائنات الحية" بلا منازع .

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد . فبالإضافة إلى تتويجي "ملكا للكائنات الحية" ، أنتجت هذه الإضافة البسيطة في دماغي إحساسا جديدا ينعدم فيما عداي من الأحياء . لم يعد الأمر بالنسبة لي مجرد وجود فحسب بل تولد عندي إحساس بهذا الوجود .. صرت أشعر بوجودي ، بل صرت أشعرُ بشعوري بوجودي . لقد اكتسبتُ "بصيرة" حولتني من مجرد حيوان فائق التطور إلى "قيمة" . أوجدت عندي إحساسا بأنني "قيمة" تتسامى على الوجود المادي . قيمة أثيرية تتسرب خلال الحواجز لتمتد إلى فضاءات لا متناهية .. عبر الزمن وغيره من الأبعاد التي ندركها أو تلك التي لا ندركها . قيمة تتجلى إبداعاً أدبيا في أشعار العشاق وحماسيات الوطنيين .. في رثائيات المكلومين وهجائيات الساخطين .. تتجلى أخلاقيا في الصدق والرحمة والاحترام .. تتجلى اجتماعيا في حسن الجوار والتعاون ومراعاة الذوق العام . احساس دائم التوهج .. سعي متنام إلى بلوغ درجات أعلى من الكمال .. توق محموم إلى العدالة والمساواة والحرية . هذا أنا في تجل آخر من تجلياتي ... كتلة من القيم المجردة .. لكنها قيمٌ تخضع لمبدأ الاختيار الذي أوجده ذلك التغيير التشريحي في دماغي . فلكل قيمة في هذه الكتلة نقيض يمكنني اختياره .. الظلم بدلا من العدل .. الكذب بدلا من الصدق .. الاستعباد بدلا من الحرية .


وقد يسأل أحدهم : هل هذه القيم المجردة – مع أصالتها في البنية الإنسانية - ضرورات بيولوجية لازمة لحفظ النوع شـأنها شأن الغذاء والشراب والهواء والتزاوج ؟ أم هي مجرد أعراض جانبية لذلك التغيير الدماغي ظهرت على شكل إضافات ولمسات تجميلية (أو تشويهية) وهي بالتالي لا تساهم في حفظ النوع البشري ؟


المؤكد عندي شخصيا أن الإختيار (أو القدرة عليه) لازمة بيولوجية أصيلة لا يمكن محوها ... وللحديث بقية !